د. نبيل فاروق
ياله من عنوان,ويا له من مصطلح,يتصدر الدراسة هذه المرة….الزمكان…
مصطلح لم تألفه عيوننا,وآذاننا,ولم تدركه عقولنا,ربما حتى لحظة كتابة هذه السطور,على الرغم من انه مصطلح علمي بحت,يتم استخدامه(واستعدوا للمفاجأة) ,منذ عام 1905م…
نعم….انك لم تخطيء قراءة التاريخ,فالمصطلح مستخدم علميا بالفعل,منذ عام 1905م…أي منذ ما يقرب من قرن كامل من الزمان….
ففي ذلك العام نشر عالم شاب,يدعى(ألبرت أينشتين) ,نظرية علمية جديدة,اعتبروها ثورة عنيفة في عالم الفيزياء والرياضة,وأطلق عليها اسم(النظرية النسبية الخاصة)….
وفى تلك النظرية استخدم(اينشتين) ,وربما لأول مرة,ذلك المصطلح العجيب المثير…الزمكان….
والمصطلح-ببساطة شديدة-يعنى السفر عبر الزمان والمكان في آن واحد…
أو بمعنى أكثر شمولا,يعنى تفجر خيال العلماء إلى حد أو نحو لم يبلغه,أو ينجح فى بلوغه أحد,قبل أن يطرح(اينشتين)نظريته المثيرة …جدا…
ففى ذلك الحين,كان السفر عبر الزمان وحده,يعد ضربا من خيال جامح,فجره الأديب,والروائي,والصحفي الإنجليزي(هربرت جورج ويلز) ,خريج جامعة لندن,والمغرم بمطالعة العلوم,عندما نشر تحفته الرائعة(آلة الزمن) ,عام 1895م….
ففى تلك الرواية,وثب بطل(ويلز)عبر الزمن,لينتقل من خلال آلته العجيبة,الى المستقبل البعيد,الذى رسم له المؤلف-حينذاك-صورة ذهنية عبقرية,بدأت بما يشبه المجتمع المثالى,حيث يعيش السكان المنعمون,فى عالم انيق جميل,يحيط به الانهار والزهور والحدائق الغناء من كل جانب,قبل ان يكشف البطل وجود عالم آخر تحت الارض,سكانه من اشباه الوحوش,الذين يعملون بلا كلل أو ملل,للإبقاء على عالم ما فوق الارض,الذى اتضح فى النهاية انه مجرد مزرعة طعام لهم,حيث يختطفون سكانه,ليأكلوهم كالأغنام…
وتلك الصورة أفزعت عالم نهايات القرن التاسع عشر,وبهرتهم فى الوقت ذاته,خاصة ان(ويلز) كان أول من أشار إلى تفوق جنس العمال,فى المجتمعات الصناعية,مع مرور الزمن……
وأول من تحدث ايضا عن آلة الزمن………
تلك الآلة المعجزة,التى خلبت لب المؤلفين,منذ زمن(ويلز) ,وحتى يومنا هذا,لما تمتلكه من قدرة فريدة مدهشة,على ان تخترق براكبها نهر الزمن,وتنقله الى اى زمن يشاء,فى طرفة عين….
وبعد(ويلز) ,تفجر خيال الكتاب,والمؤلفين,ورجال الفن ايضا,وانهمرت علينا عشرات التخيلات والافكار,وسرح خيالنا مع الفكرة,و…….
وفجأة خرجت الى العالم نظرية النسبية الخاصة,وأطلق(البرت اينشتين) مصطلحه الجديد,مع معادلات رياضية مؤكدة,تفتح عيوننا على ظاهرة جديدة,وتعديل جوهرى لكل ما عرفه العالم من قواعد قبلها……..
فلأول مرة,أضاف(اينشتين) إلى الابعاد الثلاثة المعروفة,الطول,والعرض,والارتفاع,بعدا رابعا,لم يشر اليه عالم واحد من قبله……
الزمن………
وفى نظريته المدهشة,التى حيرت علماء جيله,أثبت(اينشتين)أن الزمن بعد رئيسى فى الحياة,وفى كل القياسات الجادة,فى الرياضيات والفيزياء,وباعتباره كذلك,فهو ككل الابعاد الاخرى,يمكن السير فيه إلى الامام والخلف ايضا…….
وكانت هذه مفاجأة مذهلة,سواء للعلماء,أو للعامة ايضا….
فمع النظرية الجديدة,لم تعد قصة(ويلز)عن السفر عبر الزمن مجرد خيال محض….
لقد صار احتمالا علميا منطقيا ايضا….
واعترض علماء بدايات القرن العشرين,واستنكروا,واستهجنوا,ورفضوا كل ما جاء به(اينشتين)…….
أما الادباء والمفكرين,فقد فجر الامر خيالهم أكثر وأكثر,وأطلق فى أعماقهم الف فكرة,ومليون إحتمال,راحوا ينقلونها جميعا إلى الورق,ليمتعونا بسيل من الروايات,والخيالات الجامحة,التى تصورت فكرة عودة البعض إلى الماضى,لإحداث تغييرات,تؤدى بدورها إلى تغيير أحداث جوهرية,تمتليء بها كتب التاريخ……..
وفى الوقت الذى اقنع(اينشتين)كل العلماء بنظريته وعبقريته,وخرج اليهم بنظرية النسبية العامة,عام 1915م,كان فريق من الادباء قد تبنى بالفعل فكرة السفر عبر الزمن,وآمن بأمكانية حدوثها,بل وصار يحلم بهذا ايضا,ويدافع عنه بحماسة واستماتة لا حدود لهما….
ففكرة السفر عبر الزمن مثيرة حتما,وتمنح الانسان املا خياليا فى تغيير حاضره,ومستقبله,بل وربما مستقبل العالم ايضا…
ولأنه من الطبيعى ان يكون لكل فعل رد فعل,مساو له فى القوة,ومضاد له فى الاتجاه,فقد تبنى فريق من العلماء فكرة عكسية,ترفض بعنف احتمالية السفر عبر الزمن,وتصفه بالخبل الوهمى………
ولقد استند العلماء الرافضون إلى نظرية علمية فلسفية,اطلقوا عليها اسم نظرية(السببية)……
وتلك النظرية تعتمد على أن العالم كله وحدة واحدة,فلو تمكن شخص ما من السفر عبر الزمن إلى الماضى,وأحدث تغيرا-مهما بلغت بساطته-فسيؤدى هذا إلى حدوث موجة متزايدة من التغيرات,يمكن أن يتغير معها تاريخ العالم كله,مما يهدد وجوده هو نفسه فى المستقبل…….
ثم أن قدرة المرء على إحداث تغيير فى المستقبل,تمنحه قدرات هائلة,لا يمكن أن تتوافر لبشرى,مهما بلغت قوته أو مكانته….
فلنفترض مثلا أن أحد العلماء وقد رأى أن الحرب العالمية الثانية كانت لها ويلات رهيبة,وأن هذا كان بسبب أفكار(هتلر)وتعنتاته,فاستخدم آلة زمن وهمية,وسافر إلى الماضى,وقتل(هتلر) ,قبل ان يتبوأ منصبه فى الحزب النازى,فهل يمكن ان ينتهى الامر عند هذا الحد؟!!.
مستحيل….
فعدم اندلاع الحرب العالمية الثانية سيغير مصيرالعالم كله,وتوازناته,وأعداد سكانه,وقدراته التكنولوجية والعلمية,مما يعنى ان آلة الزمن,التى سافر هو بها,لن تتاح له فى الغالب,مما يمنعه من السفر,وتغيير الماضى,و…..
هكذا ندخل فى دائرة مفرغة غريبة,لا يمكن حسمها,او فهمها,او الاقتناع بإمكانية حدوثها أبدا….
ثم ماذا لو سافر آخر,وأنقذ(هتلر)…
وجاء بعدها ثالث,لينفيه إلى (روسيا)….
عندئذ سيرتبك التاريخ كله,على نحو اشبه بالعبث,الذى لا يمكن أن يسمح به الخالق(عز وجل)…..
إذن فالفكرة نفسها عبثية,وهمية,خيالية,يستحيل حدوثها فى عالم الواقع…..
ولقد تابع(اينشتين)كل هذه المحاورات والمداورات,والمناظرات الحامية,بين مؤيدى ومعارضى فكرة السفر عبر الزمن,دون أن يعلق على هذا أو ذاك بحرف واحد,لأن نظريته لم تكن تسعى خلف هذه السخافات والترهات….
ثم أنه لم يشغل نفسه لحظة بعملية السفر عبر الزمن وحده….
بل بالسفر عبر الزمكان….
أى عبر الزمان والمكان فى آن واحد…..
ولكى نفهم ما يعنيه هذا,ينبغى أن نتخلى عن فكرة السفر عبر الزمن,ونركز كل تفكيرنا على السفر الفضاء…..
نعم عبر الفضاء الكونى,فهذا بالضبط ما كان يعنيه(اينشتين) ,عندما أطلق مصطلحه الجديد المثير هذا,فقد جاءت نظريته لتفتح الطريق,امام فكرة السفر عبر الفضاء,إلى مسافات لم يبلغها العقل البشرى بعد,عن طريق السفر فى الزمان والمكان معا………
فمنذ تطور علم الفلك,فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر,ظهر مصطلح محبط,لكل من كانوا يحلمون بالسفر إلى النجوم البعيدة حينذاك…..
مصطلح السنة الضوئية……..
وهذا المصطلح يعنى المسافة التى يقطعها الضوء,لو انطلق فى الفضاء, لمدة سنة زمنية كاملة,باعتبار ان سرعة الضوء تساوى 186000 ميل,فى الثانية الواحدة…..
هل يمكنك أن تتصور أذن المسافة التى يمكن أن يقطعها الضوء فى سنة كاملة؟!!
انها 16 مليار,و70مليون,و400000 ميل,أى حوالى 25 مليارا,و862 مليونا,و801 ألف,818 كم…
هل أزعجك الرقم,وبدا لك ضخما أكثر مما ينبغى؟!استعد للمفاجأة إذن,فهذه المسافة الهائلة تساوى وحدة فلكية واحدة,فى قياس المسافات الكونية,وتحديد بعد النجوم الاخرى عن مجرتنا(سكة اللبانة)…….
ولو أن أقرب النجوم الينا يبعد عنا وحدة فلكية واحدة,أى سنة ضوئية واحدة,فهذا يعنى أن وصولنا اليه يحتاج إلى سفينة فضائية خاصة,يمكنها أن تنطلق بسرعة الضوء,لمدة سنة كاملة,دون أن تتوقف,أو تخفض سرعتها لحظة واحدة…
والاحتمال يبدو,من الناحية المنطقية,والرياضية ايضا,أمرا مستحيلا بكل الوجوه…….
لهذا كانت المفاجأة الجديدة,اننا نستطيع بلوغ ذلك النجم المفترض,فى زمن أقل من هذا بكثير,ودون حتى أن نبلغ سرعة الضوء…..
وهذا القول علمى تماما.
*******************
2-الثقوب السوداء..
*عندما فجر(اينشتين)مصطلح الزمكان,فى نظريته النسبية,كان السفر عبر الزمان والمكان مجرد حلم مستحيل,وخيال جامح غير منطقى……
ولكن(اينشتين)وضع امامنا معلومة علمية جديدة مثيرة للغاية,وأطلق عليها اسم(تمدد الزمن)…
وفى نظرية(اينشتين) ,نجد انه لو سافر رائد فضاء,فى مركبة تنطلق بسرعة الضوء,إلى نجم يبعد عنا سنة ضوئية واحدة,ثم عاد إلى الارض,فسيجد أن العامين,اللذين قضاهما فى رحلته,قد اصبحا نصف قرن من زمن الارض….
وبمعنى أكثر وضوحا,لو أن لذلك الرائد شقيق توءم,بقى على الارض,وودع شقيقه وكلاهما فى العشرين من العمر,عند بدء تلك الرحلة الخرافية,فسيعود الاول من رحلته,وهو فى الثانية والعشرين من عمره,ليجد توءمه فى السبعين من العمر!!!
والتفسير الذى وضعته نظرية(اينشتين)لهذا,هو أن عقارب الساعة سترتبط بالزمن الذى تنطلق به سفينة الفضاء,أى أنها ستسير بنفس السرعة,فى حين أن الساعة الثابتة على الارض,ستتوافق مع سرعة دورانها حول نفسها وحول الشمس فحسب….
ولو أردت نصيحتى,فلا ترهق ذهنك فى محاولة فهم واستيعاب هذا الامر المعقد,فقد اثبته العلماء رياضيا وعمليا,خلال قرن من الزمن,ويكفينا أن نمنحهم ثقتنا فحسب……..
المهم ان هذه الفرضية كانت أول إشارة إلى السفر عبر الزمان والمكان,أو عبر الزمكان كما أسماه(اينشتين)……
ولكن نظريته اشارت ايضا إلى أمر آخر,اعتبره العلماء اكثر اهمية وخطورة بكثير,فى عملية السفر عبر الزمكان…..
إلى الثقوب السوداء…..
وهذا المصطلح حديث نسبيا,فأول من أستخدمه هو الفلكى الامريكى(جون هويلر)عام 1969م,ليصف به نظرية قديمة,تعود إلى أكثر من قرنين من الزمان…
وبالتحديد إلى عام 1793م…….
ففى ذلك الزمن,نشر(جون ميتشل) ,الجيولوجى,ورئيس جامعة(كامبريدج) ,بحثا جديدا,أشار فيه إلى أن بعض النجوم لها كثافة عالية جدا,مما يمنحها قوة جذب هائلة,تمنع الضوء نفسه من الفرار منها,مما يجعلها تبدو اشبه بفراغات سوداء,بالنسبة لأى شخص يحاول رصد الكون…….
ولقد اكتفى(جون ميتشل)بقوله هذا,ولم يحاول التوغل فى الامر أكثر,ربما لقلة المعلومات الفلكية المتاحة فى عصره,أو لنقص الامكانيات العلمية حينذاك…..
ثم جاءت نظرية النسبية,لتحمل الينا مبدأ علميا جديدا,وهو أن الضوء لا يسير فى خطوط مستقيمة,كما كنا نتصور,بل انه ينحنى,عندما يمر إلى جوار نجم عالى الكثافة….
وعندما تبلغ كثافة النجم اقصاها,فإن الفضاء نفسه يتحدب حوله,مما يجذب الضوء اليه فى عنف,على نحو لا يسمح له بالإفلات من جاذبيته الشديدة,فيبتلعه النجم فى شراهة مالها من مثيل…..
ولأن الضوء يفشل فى الإفلات من الجاذبية الهائلة,فهو لا يصلنا قط,لذا فكل ما نراه هو ثقب اسود,يختلف حجمه من مكان لآخر…
ولو اردت ان تفهم فكرة الثقوب السوداء أكثر وأكثر,راقب مصفاة حوض المطبخ…..
فلو أنك ملأت الحوض عن آخره بالماء,ثم سحبت سدادة المصفاة,فستراها تبتلع المياه فى سرعة وقوة….
ها بالضبط ما يفعله الثقب الاسود بما حوله,بافتراض وجود مصدر دائم للمياه,يغذى الحوض,وجهاز شفط قوى فى قلب المصفاة…..
ولقد جذبت الثقوب السوداء انتباه واهتمام العلماء لسنوات وسنوات,كظاهرة مثيرة فى الفضاء الكونى,قبل أن تخرج نظرية مدهشة جديدة…..
نظرية تقول أن ما تجذبه الثقوب السوداء اليها,وما تبتلعه فى مركزها بلا هوادة,لا يفنى أو يتلاشى داخلها,وإنما يعبرها إلى نفق ذى اتجاه واحد,ليخرج من نهايته,عبر ثقب ابيض كبير,فى عالم آخر…..
أو مكان آخر…….
وكانت هذه النظرية أشبه بقنبلة علمية,تفجرت بمنتهى العنف,فى كل الاوساط……..
فالنظرية تعنى,وبكل حسم,أن عبور ث
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |